@@@@
مراد والقضبان
تعلقت عينا مراد في الشعاع الهارب من الشمس من النافذة المعلقة ،
مخترقاً ثوب الحجرة القاتم ، خادشاً وجه السكون المختمر بالحجرة ، التي تحتل في القائمة الرقم السابع والستون من مجموع حجرات السجن العمومي ، تلك لحظة لا تستمر كثيراً ، كأنها ومضة برق خاطف ويعود الظلام ليسكن ويخيم في سماء الحجرة المعلقة في غمرات الأرض. انه البصيص الذي يري فيه مراد الدنيا ليفرق بين الليل والنهار ، وهو الشعاع الذي دائماً يعلق فيه أمله ، فأحيانا لا تره الشمس ولا يراها ، كأنه في قطبية الأرض الشمالية مدفون في صقيع المظلم ، من لحظة أن قبض عليه وسيق إلى السجن من أمام مقهى المعلم شحاته ، متهما في جريمة قتل ، ليس له فيها ناقة ولا جمل حسب قوله فهو يرفض كل الاتهامات التي ساقتها النيابة وتحريات الشرطة ضده ، لكن النيابة قدمت دلائلها ، متهمة إياه بجريمة القتل مع سبق الاصرار والترصد ، وبالرغم من أن دفاع مراد حاول جاهداً تبرئته من القتل ونفي الاتهام الموجه ضده ، إلا أن النيابة تصر على توجيه الإتهام له وتحكم قبضتها عليه ، وليس هناك من بشاير أو دلائل لتحرك النيابة وتغير مجرى القضية والحكم الصادر ضده ... فقد حكم على مراد حكماً قاسياً ..حكم عليه بالإعدام وقد استنفذ الدفاع عن مراد كل الفرص المتاحة له ولم يستطع الحصول على أي خيط حتى يتثنى للمحكمة تخفيف الحكم الصادر ضده ...فإن كان مراد غير قاتل فمن هو للقاتل الحقيقي ؟ . بالرغم من إيمان هيئة الدفاع عنه ببراءته ، مؤمنة ايماناً كاملاً ببراءة موكلها ، لكنه لم تستطع تقديم الدليل على البراءة ولم يتبق غير النقض وهو الفرصة الأخيرة وسوف تعرض أوراق موكله لفضيلة المفتي ،التي عادة ما يكون تحصيل حاصل والتصديق على حكم المحكمة ... فالمفتي محكوم بما يقدم إليه من أورق وحيثيات المحكمة وليس مكلف بالبحث لتبرئة أي جاني تقدم أوراقه له ..
غادر الشعاع الحجرة وغرق مراد في الظلام كعادته ، وقف يدور برأسه وقد تعلقت عيناه بالبقعة السماوية والتي لا زالت تضيء عيناه ، فهي كل الدنيا التي تقلصت وديحت وانطونت في عينيه قبل يغمرها الظلام البهيم ، الخيال المجنون يخلب رأسه ،الموت والنهاية تقترب ، وما من جديد تحت السقف في ظل وكر الدبابير الذي يسكنه ، ضاقت به الدنيا وخرت قواه وارتخت أعصابه فليس فيه من قوة ، راح يسند ظهره للحائط الذي لازمه ثلاث سنوات والذي عرف عنه كل شيء وأسر إليه بكل شيء فقد عرف سره وعرف جهره فليس من ونيس غيره وصديق يلازمه صحوه ونومه غير هذا الجدار ، دائما ما يحكي له ويقص عليه من حكايات الطفولة ، ثم يحكي يبث له حزنه وألمه وظروفه ، ويقسم له أنه لم يقتل وليس في طبعه القتل ، لكن من يسمع ومن يعقل؟..... فما من دليل يؤكد صدق كلامك يا مراد وأصبح الحكم أقرب للتنفيذ . تمنى مراد كثيرا أن يأتيه الموت فيرحمه من عذاب السجن ويرحم أمه من الانتظار ، فالموت بعيداً عن حبل المشنقة أشرف له ألف ألف مرة وأرحم من هذا المصير الذي سوف يؤل إليه وينتظره ...
أخذته وانتابته نوبة من السعال وراحت ترعشه من رأسه إلى مخمص قدميه حتى كاد قلبه يقف من شدته وزلزاله ، علا صوته بالسعال حتى سمعه جيرانه في الزنازين المجاورة له ، احتشدوا يتصايحون من خلف أبواب الزنازين المؤصدة داعين له بالسلامة والشفاء ومنادين للحراس كي يسعفوه قبل أن يقضي عليه السعال فيموت ،،،
ألقى ظهره للحائط مستسلماً ينظر الموت لا ينتظر المسعف ، عرق جبينه وفاحت من جسده رائحة عرق الموت ، راح يلقن نفسه الشهادتين وهو يتوسل إلى الله أن لا تكون نهايته على يد عشماوي تمنى أن يسعفه ملك الموت ويسرع في أخذ روحه ، وتخرج روحه قبل أن يصل إلى رقبته ويلتف حولها حبل المشنقة . بعد جهاد مع السعال رضخ صدره للهدوء ،وسكن السعال رويدا رويدا ، وراح يسترد أنفاسه المشتتة ، .فإذا الخيال يطوف به وهو يترمل به الأمل طوافاً وتمتد يده ليتحسس أغراضه البسيطة التي تسكن معه وتؤاخيه المقام والحبس وتسكن تحت رأسه كوسادة أو يجاور بعضها وسادته والتي أعياها الانتظار وهي تتشوق مثله تماما للحرية ، من حين لأخر تستيقظ من نومها إن امتدت يده إليه مثله حين يبعثه شعاع الشمس الهارب من النافذة المعلقة التي تطل على حدائق الحرية وتطلب الأفراج عنه ، يتيمن بهذه اللحظة ، علها تمتد بالنور في يوم من الأيام ....لكن الظلام الذي يداهمه يمنعه من مواصلة عملية التفقد لها , يكظم رغبته الملحة في نفسه ولا ينتشي بهذا الأمل , يقف مراد على قدميه وهو يقترب من باب زنزانته ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم , علا بصوته كأنه يود أن يسمع زملائه ما يقول , أو يسري عن نفسه ، استفتح وراح يقرأ ..بسم الله الرحمن الرحيم .. (تلك الدار الأخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين )
راح يترنم بصوته الرخيم ، تجلى في تجويده ، أخذته الآيات في جلالها المنعش للروح فراح في سكرة النعيم الروحاني اللذيذ ....خشعت الأصوات للرحمن حوله كما خشعت روحه واستجابت... وإذا بهم ينادونه لا يستجيب ....
بقلم : سيد يوسف مرسي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق