...تابع...... إمتطى الشاب حصانه و كله حزن لفراق من أشرف على تربيته ، ثم لوى لجام فرسه يحثه على الإنطلاق و قد ترك ورأه غبارا على شكل دفعات صغيرة كلما رفس الحصان الأرض مندفعا إلى الأمام ،لقد ترك ورأه إمرأة شق عليها ان تفارقه مخافة ان لا تراه ثانية فأطلقت العنان للبكاء و العويل تلعن من كان سببا في كل الذي حدث و في كل من كان سببا في هذه المعاناة ، لقد تملكتها عاطفة جياشة ممزوجة بحسرات لا طاقة لها بها فقد فارقها ذلك النور الذي كان يملء عليها حياتها ،فظلت ترقبه وهو يطوي المسافات حتى اختفى ،عجيب أمر هذه الدنيا و غريب كل الذي يحدث فيها ... المرأة التي إحتضنته و ربته و بذلت الغالي و النفيس حتى جعلت منه ذلك الشاب اليافع القوي يتركها تذرف الدموع لأجله و يرتحل ليبحث عن ام بدأت أحزانها يوم أن أبصر نور الحياة بفضلها و هي تذرف الدموع إلى اليوم حزنا على مصابها ،بدأت رحلته الشاقة بأن توجه صوب قصر أبيه و هو خال على عروشه ،وقف أمامه ينظر إليه في حيرة كبيرة يتملكه شعور غريب حتى ذرف دموعا ساخنة بللت وجنتيه ،ثم استدار معرجا على مكان رمي القمامة ينظر مصيره الضائع بين ثنياه فلول لطف الله ثم إحسان إمرأة ساقها الله إليه لكان بين الأموات الأن ،رمق المكان بنظرة تفحص كانت كافية ليفهم مدى الحقد الذي كانت زوجة أبيه تكنه له و لأمه ،إنطلق بفرسه قاطعا مسافات طويلة آملا أن يصل في أقرب و أسرع وقت ممكن ليخلص أمه من العذاب و يعوض عنها ، كان يجد السير نهارا و يخلد للراحة ليلا كي يريح حصانه ، و كان كلما مر على قبيلة او قوم سأل عن مضارب أبيه و كان يسير في الإتجاه الذي أرشدته إليه أمه التي ربته كي لا يضيع و يصل بسرعة ،لقد قطع مسافات كبيرة و ارتحل لأيام و شهور دون أن يجد من يعرف ديار أبيه حتى أنه مرت عليه أوقات بدأ الشك يساوره في العثور على أمه و ابيه ، وذات مساء بينما هو سائر على صهوة حصانه و قد تملكه التعب إذ مر على شيخ كان يحرص أغنامه فسأله حاجته و كانت المفاجأة ،فقد دله الشيخ إلى مضارب أبيه و أرشده إلى عجوز ترعى إبل ذلك الذي يسأل عنه ،فلم يصدق الذي حدث و انطلق صوب مكان تواجد الإبل فقد كانت بادية على مسافة غير بعيدة ، ولما دنا من المكان إستوقف حصانه غير بعيد من العجوز و أخذ ينظر إليها مشدوها لما رأه من حالها ،إمرأة قاربت الستين تكسوها ثياب رثة ووسخة مقصوصة الشعر قد طلي بالقطران يجالسها جرو حديث الولادة متسخة بكاملها حتى أن يديها سودواتين من شدة الأوساخ نتهر الجرو بعصاها و ما يلبث ان يعود إليها يحنوا إليها كأنها أمه ،فتسمر الشاب لم يبدي حراكا او تبرما من هول ما رأى و ما زاد في غرابته هو أن العجوز كلما جاءتها نوبة بكاء ألا و اجتمعت النوق من حولها تصدرا أصواتا أشبه بالبكاء حتى إذا فرغت من ذلك تفرقت الإبل من حولها و عاودت الرعي ،أراد الشاب أن يتأكد من ان هذه أمه و أن هذه مضارب أباه ،فاستجمع قواه و اقترب منها و بادرها بالسؤال ،إن كانت تعرف ديار أبيه فأجابته أنه قد وصل و أشارت إلى مجموعة خيام تبعد عن مكان المراعي مسافة معينة ،و قالت له إن صاحب هذه الديار رجل كريم يحب الضيوف فاقصده و لاتخف ،فنزل من على حصانه و تمالك نفسه حتى لا تتعرف عليه و يتكشف أمره و لكنه سألها سؤال و احد وطلب منها أن تجيبه ،فقد سألها عن سر هذا الجرو الذي كلما طردته عاد إليها يصدر نباحا غريبا فقالت له بنبرة حزن عميقة إنه أحدث ولد لي فكلما كبر جرو و اصبح كلبا أتوني بجرو جديد لأتخذه إبنا لي وهذه حالي منذ أمد طويل ،فركب حصانه و أتجه إلى مضارب أبيه و هو يمسح دموعه و حين شارف على الوصول تلقاه الخدم مرحبين به فأمسكوا عليه حصانه و اقتدوه إلى خيمة سيدهم فوجد أمامه رجلا ذا هيبة ووقار تبدوا عليه أثار النعمة رغم مسحة الحزن التي تعتلي سمحته ،فرحب به و أكرمه و طلب منه أن ينزل عليه هذه الليلة ضيفا مكرما معززا ،من جهة الشاب فقد كان مكتويا مما رأى من حال أمه و مع ذلك بدى على سجيته لم يتغير من حاله شيء و لم ير عليه الإنزعاج أو القلق ،و جاء وقت أوبة الرعاة و كانت الخيمة التي نزل فيها الشاب ضيفا مواجهة لكومة كبيرة من الرماد كانت موضوعة قصدا هناك ،وما مر وقت طويل من وصول الرعاة حتى أتت تلك المرأة يتبعها جروها و استقرت جالسة فوق كومة الرماد تلك و بجانبها ذلك الجرو ، ولم يمر وقت طويل حتى خرجت من الخيمة الأخرى أمرأة طاعنة في السن و يبدوا عليها من خلال تصرفاتها أنها الآمرة الناهية في ذلك البيت فتوجهت صوب المرأة الجالسة فوق كومة الرماد ورمت أمامها إناء ا قديما فيه بعض الأكل إنسكب جزء منه من شدة الرمية فأخذت تلك المرأة المسكينة تلتقط من فوق الرماد بقايا تلك الحفنة من الأكل و الكلب يشاركها تلك اللقيمات فنهرته فأصدر صوتا فنهض صاحب البيت متجها إليها و بيده سوطا طويلا و أخذ يلفح جلدها بضربات قاسية وهو يأنبها و يحذرها أن تعود لمثل هذا التصرف مع إبنها ، فنهض الشاب و تدخل و طلب من أبيه الذي لا يعرف أنه إبنه و ترجاه أن يسامحها ،فتركها إكراما للضيف و عاد إلى الخيمة وهو يذمها أمام الشاب و هو لا يدري أنه إبنه ،......يتبع .....ريش الصحراوي......

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق